سهيلة عبد الباعث الترجمان
376
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
حادث عنها ، وهكذا فإن الموجودات كلها المحدثات ما خرجت إلى الوجود إلا عن اللّه ، فلهذا ترجع أحكامها إليه ، ولم تزل عنده ، ذلك أن طبيعة واجب الوجود اقتضت وجود المحدثات بذاتها لذا كان المحدث واجب الوجود بغيره . فكما أنه لا يكمل الوجود إلّا بوجود المحدث ولا يمكن أن يعرف الشيء إلا نفسه أو مثله ، فلا بد إذن أن يكون الموجود الحادث الذي يوجده اللّه تعالى للعلم به على صورة موجده حتى يكون كالمثل له ، ولما كان العالم صورة واجب الوجود بهذا المعنى ، أحالنا اللّه في العلم به على النظر في الحادث بما فيه أنفسنا ، وبذلك عرفناه واستدللنا عليه ، وفي هذا يقول : فما وصفناه بوصف إلا كنا نحن ذلك الوصف ، إلا الوجوب الخاص الذاتي " « 1 » . إذن فما من محدث للعالم إلا اللّه تعالى ، إذ أنه تعالى أوجده ليعرفه هذا العالم بقدمه . ولما كان العالم محدثا فإنه لا يقوم به إلا محدث ، فقامت به المعرفة باللّه ، وذلك إما بتعريف اللّه ، وإما بالقوة التي خلقت فيه والتي بها يصل إلى معرفة اللّه من وجه خاص لا غير ، فكان العالم بذلك شاهدا على ذاته بما أحدثه اللّه فيه ، فليس في الإمكان إذن خروجه من الأذهان إلا بقوة فاعل مختار له الأمر ، ومن هنا كان ظهور الحوادث دلالة واضحة على هذا ، ذلك بأن العالم مفعول لفاعل مختار ، وأن حوادثه ظاهرة ، وليست حوادثه سابقة لحوادثه ، وأن ما لم يكن سابقا للحوادث فهو حادث فعلا « 2 » . وهذا تأكيد من جانب بن عربي على قدم الذات الإلهية وحدوث كل ما سواها . وعليه ، فالعالم له حكم الحدوث في عين القدم ، فلا يعرف له طرف ينتهي إليه لأنه من ذاته لم يزل تحت حكم الترجيح الإلهي له ، إما بالعدم أو بالوجود ، لذا فإنه يرى المحدث في عين القدم لأنه سبب وجوده ، ما هو القديم في المحدث ، وذلك ينفي أية فكرة بحلول القديم في الحادث أو الحق في الخلق ، وأن النّسبة معدومة بين الحق والخلق أو بين القديم والمحدث لعدم الشبه بينهما ، ولابد أن ابن عربي في موقفه هذا متأثر بسابقيه كابن العريف الصنهاجي وغيره ممن أخذ عنهم ، فقد أثر عنه قوله : " أي نسبة بين المحدث والقديم ، وكيف يشبه من لا يقبل المثل من يقبل المثل ، هذا
--> ( 1 ) ابن عربي ، فصوص الحكم ، ص 53 . ( 2 ) ابن عربي ، شجون السجون ، ورقة 20 ، ص أ .